28 نوفمبر 2013

القضاء .. على القضاء


القضاء هو ظل الله " العادل " على الارض
والقاضى هو وكيل " الله - العادل " بين الناس
يجب ان يكون القاضي مُنزهٌ عن الهوي  والميل ، لهذا فهو لا يجلس على منصة القضاء اذا كانت الدعوي المنظورة امامه تربطهُ بها او بالمتاقضين او المدعين او المدعي عليهم  اي علاقة من قريب او بعيد ، وفي هذا ما يضع القضاء فى اعلي مرتبة وارقي منزله ، ويرفع لواء القضاء "شامخ" واضح جلي على رؤوس الاشهاد ، حتى لا تسؤهُ مظنة او تعتريه شبه او يدنس نقائه اى ريب او مظنة
إن اختلت صورة القضاء عند الناس ، فقد معناه وفحواه  والحكمة من وجودهُ ،لان من يتقدمون الى ساحات القضاء يجب ان لا يعتريهم اى خوف او التباس فى الصفة التى تعلوي هامَتهُ والشعار الذى يجلل مجلسهُ ( العدل ) ، وإن كان الناس يُجلونَ القُضاه ويوقرون مكانتهم فهذا حُجه علي القُضاه لا ميزة لهم  ، فأن حادوا عن العدل ما استحقوا الجلوس للحكم بين الناس وما كانت احكامهم واجبة او جديرة بالتنفيذ ، وما كان لهم اى قيمة  ولا كان للناس حاجة اليهم ، ولا رغبة فيهم  ولا حرصاً على مكانتهم.






في ثمانينيات القرن الماضي  نشرت الصحف  خبر مفادهُ  طلب قاضي امريكي من الحكومة  ، ان يودع فى حسابه الشخصي  مبلغ ضخم على ما اذكر تجاوز الثلاثون مليون دولار بدون اى شرط ويكون له الحرية المطلقة فى التصرف فيه ... وتم تنفيذ طلبه !
كان السبب فى هذا المطلب الغريب وفى تنفيذ الحكومة له سبباً جوهرياً ومنطقياً ، اذا ان القاضي كان ينظر قضية تُجاريه فى مبلغ دون ذلك المبلغ المذكور ، واحس القاضي في لحظة انه ربما يجد فى نفسه صِغار امام المُتاقضين امامة فاراد ان يكون فى مكانة مماثله لهم ، وحتى يهيء من نفسه مدارة الندية و يُبعد عن نفسه هواجس الظن او الهوي .
اذكر هذه الواقعة لنري حساسية منصب القاضي ، ليس من الناحية القانونية بل من النواحي النفسية والاخلاقية ، ولنري كيف يحصن القاضي نفسه عن الميل او الهوي ، ولنري كيف تنفذ الدولة مطلب غريب لارساء معنى العدل ولاعلاء قيمة القضاء
نحن في مصر الان  بصدد قضاء فقد المعنى والجوهر الحقيقي لرسالة القضاء ، وتدني الى مستوي يوجب الوقوف امامه وقفة حداد و لقراء الفاتحة على روح القضاء قبل ان نواري جثمانة النتن وجيفته العفنه تراب الوطن ، والذى ربما يمج هذه الجيفه ولا يرضي ان يحتويها ، ومع صدمة السقوط وهول  الفجيعة  وقف الجميع فى صمت مريب  وفى حالة من الهذيان وانعدام الثقة فى كل مؤسسات الدولة ، وفى هذا ما فيه من نُذر الخراب والتحلل لمكونات المجتمع  واندثار معاني الحق و العدل  وضياع الحقوق ، لنجد انفسنا تحت سياط القمع والظلم بأسم العدل  مما يَثِمُنا بالملعونين لضياع الحق بيننا .
ما صدر مؤخراً من احكام عبثية مُسيسة بحق طلاب ونشطاء ،  باحكام خرجت عن نطاق المنطق وتجاوزت حدود القانون ، احكام مزقت ثياب العفة والنقاء عن القُضاه وتركتهم امامنا عُراة  بدون حتى غلالة تواري وتداري سوءتهم , وبدوا امام الجميع يحملون معاول يهدمون بها  قيمة القضاء وينالون منه ، لقد كانت الاحكام الصادرة بحق طلاب جامعة الازهر بالسجن سبعة عشرة سنة ثم ما تبعها من حكم بالامس بحق طالبات بالاسكندرية  باحدي عشرة سنة ، لانهن وقفن  على الكورنيش يحملن بالونات صفراء تضامناً  مع رابعة العدوية .
هذه الاحكام فى الواقع هي  احكام ( قضاءٌ على القضاء ) .
بهذا المنظر المشين وهذا الغل الدفين يسطُر القضاء شهادة عدم صالحية  للقضاء ، ويهدموا ما رُسخ في نفوس الناس من احترام واجلال لرجال القضاء ، ويرسخ لحالة من عدم الثقة بل والخوف من اللجوء للقضاء ، وهو دعوة للاحتكام الى شريعة الغاب  ، وتغليب سطوة القوة والمحسوبية والتبعية  على العدل ، وفيها اذكاء لروح الثأر والتربص .
عندم يتحول القضاء الى قضاء انتقائي انتقامي ، يحكم بالامر المباشر ويعمل تحت شعار العمالة والتبعية ، فهو بهذا يؤسس لدولة الظلم وليس لدولة العدل ، وهو بهذا يجنح بسفينة الوطن فى مهب الاهواء وفى مغبة الفتنة ، ولن يأمن احد على الوطن وهو اسير تحت سطوة مجموعة من الافاقين والمدلسين واصحاب المصالح ، ولن يكون هناك وطن يأمن فيه المواطن على نفسة وعرضه وماله  ولا حتى على حق المواطنة فيه .
حين لا يستشعر القضاء الخجل فلا تنتظر خير ولا ترجوا صلاح للوطن ، ففي الوقت الذى يتهاوي فيه الوطن ويسقط تصدمنا صورة معول الهدم في يد القاضي ، وتُخرس اصوتنا الة القمع والعسف والجور  التى تستخدمها السلطة متمثلة فى القضاء ، فى الوقت الذي يلجاء فيه الناس لحصن العدالة يجدون انه قد تحول لسجن العدالة واغلال القمع وجبروت الحاكم ، فلا تنتظروا العسل من اذناب العقارب ولا  تبحثوا عن الحرية فى سجن كبير اسمه الوطن ، ولا تهتفوا بشعاراتكم البلهاء الساذجة  ولا تتغنوا بالحرية والعدالة الاجتماعية ، فكلكم امام القضاء " الشامخ " متهمون ومذنبون  ومُدانون  والى مصيركم المحتموم ذاهبون

لله در الطغرائي حين قال
فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ


.


. Photobucket

هناك تعليق واحد:

التعليقات الواردة تعبر عن راى صاحبها .. ولايعنى نشرها اننا نتفق معها دائماً