27 أغسطس 2013

حرب مصر القذرة: في مصر صدى لجنوب امريكا


حينما انقلب الجيش التشيلي في الحادي عشر من سبتمبر ١٩٧٣ بعلم، وربما بمساعدة السي آي إيه، على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، فضل الرجل الانتحار على الاستسلام للانقلابيين، وذلك إثر قيام سلاح الجو التشيلي بقصف قصر الرئاسة آخر معاقل الرئيس المنتخب. وحينما تبدد الدخان وانجلى المشهد، خرج زعيم البلاد الجديد، القائد العام للجيش الجنرال أوغستو بينوشيه على الملأ ليقول بأنه إنما اتخذ خطوة الإطاحة بألندي نيابة عن الأمة لإنقاذ الوطن من الإرهابيين الماركسيين. وقال بينوشيه: "إنما جاء تحرك القوات المسلحة التشيلية اليوم انطلاقاً من حس وطني لإنقاذ البلاد من الفوضى العارمة التي كانت الحكومة الماركسية لسلفادور أليندي ستقحمها فيها." خلال الأيام والأسابيع والأشهر التي تلت الانقلاب تعرض آلاف الأشخاص للمطاردة والاعتقال والتعذيب والقتل. والذين أعدموا أخفيت جثثهم، في كثير من الحالات، من قبل جلادين سريين باسم الحرية وباسم حماية على الوطن.  


وبعد ثلاثة أعوام، وفي محاكاة لما فعله بينوشيه في تشيلي، انقلب العسكر في الأرجنتين على رئيسة البلاد المنتخبة إيزابيل بيرون وشكل مجلساً عسكرياً للإشراف على ما أسماه "عملية إعادة التنظيم الوطني" مؤكداً على أنه ضروري لحماية البلاد من الفوضى الاجتماعية الآخذة في الانتشار ومن "التخريب " الذي يتزعمه الماركسيون. إلا أن هذه العملية التي اشتهرت باسم "إل بروسيسو" تحولت إلى ما بات يعرف بـــ "الحرب القذرة" والتي استخدم فيها العسكر الأرجنتيني، كما فعل العسكر التشيلي من قبله، كل ما لديه من سلطات وصلاحيات لممارسة الاعتقال والتعذيب والإعدام والتغييب ضد كل من حامت حوله الشكوك بالمعارضة الأيديولوجية لنظام العسكر. يقدر عدد الذين قتلوا في هذه الحرب القذرة ما بين ١٥ و ٣٠ ألفاً.  

لم يعد للاتحاد السوفياتي موجوداً، وانتهى عصر حكم العسكر في دول أمريكا اللاتينية، ومع ذلك ماتزال المنطقة تتعامل مع إرث معاناة تلك الحقبة. لقد وصل السياسيون اليساريون إلى السلطة في معظم بلدان "الكوندور"، وتجري محاكمة العسكر الذين اعتبروا أنفسهم ذات يوم منقذين وطنيين وها هي تصدر بحقهم أحكام بالسجن لمدد طويلة على ما ارتكبوه من فظائع. وبينما تترسخ سيادة القانون يفيق من غفوته كثير من الناس في تلك المجتمعات ممن أخضعهم رعب العسكر لدرجة أن بعضهم كان يبرر الفظائع المرتكبة.  
يمكن أن يكون إسلاميو اليوم هم ماركسيو الأمس: تسفك دماؤهم باسم الحفاظ على القانون والنظام. في مصر، يدير المشهد اليوم عسكر مستكبرون لم يعرفوا سوى الهزائم في قتال الأجانب وإن كانوا باستمرار أداة للقمع المحلي. لقد تسلطوا بعد عامين من إظهارهم التجاوب مع مطلب الثورة الشعبية بإزاحة دكتاتور البلاد (أو قل دكتاتور العسكر) حسني مبارك. والآن، وبعد سبعة أسابيع فقط من إطاحة العسكر بزعيم الإخوان المسلمين محمد مرسي الذي كان قد انتخب ديمقراطياً قبل ما يزيد قليلاً عن عام واحد، ها هم محامو مبارك يعلنون بأنه تمت تبرئته من تهم الفساد وبأنه قد يطلق سراحه خلال هذا الأسبوع.  
 ربما لم يكن مرسي هو ألندي، إلا أن الشيطنة التي يتعرض لها هو وحزبه عملية غاية في الخطورة وتستحق الملاحظة. وأكثر ما في الأمر من غرابة يتعلق بالسرعة التي تجري بها هذه العملية. قارن ذلك بما جرى في إسبانيا بعد الحرب الأهلية الدموية في ثلاثينيات القرن الماضي. فقد مرت عدة سنوات قبل أن يتمكن نظام فرانشيسكو فرانكو المرعب من إقناع عوام الناس بأن من بقي على قيد الحياة من رموز الجمهورية السابقة كانوا "قطاع طرق". وبحلول الخمسينيات شاع ذلك المصطلح حتى أصبح الكل يستخدمه.  
يذكرنا الرعب الذي يمارسه العسكر في مصر واللغة التي يستخدمها لتبرير ذلك بأسوأ ما في الإرث الإنساني من فظائع. فمثل هذه التصريحات لا تصدر عن جيوش اعتيادية وإنما عن جيوش تعتنق عقائد أيديولوجية تسهل عليهم إطلاق النار على الناس في الشوارع، وخاصة المدنيين منهم، إذا اعتقدوا أنهم مع الإرهابيين أو غير ذلك مما يقررون إلصاقه بهم من تهم. مصريون كثيرون سينساقون مع عنف العسكر ويدعمونهم بعصابات شبه عسكرية يشكلونها بأنفسهم. وقد يرد بعض أعضاء الإخوان المسلمين على ذلك بالتخلي عن فكرة أن لهم مكاناً في العملية السياسية الانتخابية وباللجوء إلى العنف. حدثان ينذران بشر مستطير: مقتل ستة وثلاثين من المحتجين المعتقلين في عربة للشرطة يوم الأحد، وإعدام خمسة وعشرين من مجندي الشرطة في شبه جزيرة سيناء يوم الإثنين. (لشهور مضت، شهدت البلاد حالة من التسيب الأمني بسبب تنامي قوة وتزايد هجمات إسلاميين مسلحين، ليسوا بالضرورة مرتبطين بالإخوان المسلمين. يشير المدافعون عن العسكر إلى تنامي حالة التسيب الأمني في سيناء، بمحاذات إسرائيل، معتبرين هذه الظاهرة سبباً وجيهاً لعدم قطع الدعم عنهم. لكن مما تجدر ملاحظته أن معظم التسيب الأمني حصل بمعرفة وتحت نظر ورقابة نفس العسكر، لأنه بدأ بعزل مبارك وليس قبل ذلك).  
من خصائص العنف في مصر مساهمة العسكر في إطلاقه، وليس صعباً رؤية كيف سيؤدي هرج اليوم ليس إلى "حرب قذرة" فقط وإنما إلى حرب أهلية مكتملة الأركان. إذكاء نار الجهاد ليس أمراً مجرداً أو محيراً، فهناك عنصر جهادي في مصر وعبر الشرق الأوسط، ناهيك عن بعض ما قد تفرزه جماعة الإخوان المسلمين نتيجة لما تعرضت له، الأمر الذي سوف يؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها إذا ما توفرت الظروف لذلك. وقد هيأ لهذه الظروف عسكر مصر خلال الأسبوع الماضي.  
حتى الآن، اقتصرت السياسة الأمريكية تجاه مصر على ما يشبه دور الغر في مباريات رعاة البقر، أي محاولة امتطاء الثور وعدم الوقوع عن ظهره. إلا أن هذا الأمر ليس جديداً على الولايات المتحدة. ففي أمريكا اللاتينية، حيث وجد عدة أجيال من الدكتاتوريين الفاسدين أنفسهم ينعمون بالرعاية في حضن واشنطن الدافئ، لايزال الثأر مستمراً. ففي السنوات الأخيرة، وبفضل ما قدمه آل كاسترو من إرشاد وتوجيه وما قدمه الراحل هيوغو شافيز من دعم سخي، تجذرت فيما لا يقل عن نصف دزينة من بلدان النصف الجنوبي من القارة الأمريكية أنظمة معادية للولايات المتحدة الأمريكية. بمعنى آخر، مكننا الإذعان الأمريكي لدكتاتوريي أمريكا اللاتينية من تجاوز الحرب الباردة، ولكنه كان بتكلفة عالية ماتزال تداعياتها مستمرة. وليس مستغرباً إذ ذاك أن يطلب إدوارد سنودن اللجوء السياسي من فنزويلا ونيكاراغوا.
بقلم: جون لي أندرسون

ترجمة: عزام التميمي



. Photobucket

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليقات الواردة تعبر عن راى صاحبها .. ولايعنى نشرها اننا نتفق معها دائماً